محمد حسين علي الصغير
208
المبادئ العامة لتفسير القرآن الكريم
« عيسى وضرب المثل والبينات » * وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ ( 57 ) وَقالُوا أَ آلِهَتُنا خَيْرٌ أَمْ هُوَ ما ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ ( 58 ) إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنا عَلَيْهِ وَجَعَلْناهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرائِيلَ ( 59 ) وَلَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنْكُمْ مَلائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ ( 60 ) وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلا تَمْتَرُنَّ بِها وَاتَّبِعُونِ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ ( 61 ) وَلا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطانُ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ( 62 ) وَلَمَّا جاءَ عِيسى بِالْبَيِّناتِ قالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ ( 63 ) إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ ( 64 ) فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ ( 65 ) . حينما انتهت الآيات السابقة بتيسير الأمثال ، بدأ هنا السّياق بضرب الأمثال ، فاتحدت الموضوعية في النظم ، وهذه الآيات تفتح عمقا جديدا في التأكيد على حقيقة التوحيد ، تناسبا مع السياق العام ، فبعد أن تقدمت قصة موسى مع فرعون وقومه ، وخلصت بالزبدة بانتصار الايمان ، وخذلان فرعون وجنوده ، تجيء قصة عيسى ، وقد ضرب به المثل ، لتربط بين جدل المشركين في الباطل ، والتواء قوم عيسى عن الحق ، وكلاهما فرعان لأصل واحد ، وهو الاصرار دون بينة ، والإعراض دون دراية . والأمور تقاس بأمثالها ، فلقد تهافت المشركون أمام الزحف القرآني المقدس ، وتهرأت أحلامهم فبدءوا يجادلون مجادلة المحموم ، ويخاصمون مخاصمة المغلوب ، دفاعا عن مجموعة العقائد الفاسدة ، فلما قرأ رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلّم على قريش قوله تعالى إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ « 1 » .
--> ( 1 ) الأنبياء : 98 .